الانتظارات المؤرقة: كيف تتترس في معارك الانتظار الطويلة
سيكولوجية ما قبل الفرج
من منا لا ينتظر شيئًا الأن
يقولون إنّ الناس يقضون أكثر الأيام إيلامًا من حيواتهم على أرصفة الانتظار، في أوحال التطلعات القادمة والأحلام التالية المعلّقة؛ في كادر زمني وإنساني مشترك يسحب أذيالنا جميعًا ببطء، ينفد فيه صبرُنا بطول الحرمان؛ وتتفاقم فيه احتياجاتُنا إلى ما نرنو إليه كلما تباعدت مواعيده منا. في شهود عقارب ساعة ستلدغنا حينها بالانتظار لدغًا كلما طرفناها بالنظر والحساب.
تعبث بنا أوهامُ المقارنات، مؤجَّجةً بشعورنا المُرّ بالتأخر، كلما نظر إلينا الآخرون أو نظرنا إليهم. نشعر في دخيلتنا أن الحياة تفوتنا، وأن الآخرين يحتفلون وتمضي بهم الأيام، بينما نحن كأننا معاقَبون في محطةٍ لن تُنادى فيها أسماؤنا.
ننتظر ما نرنو إليه دومًا بين الخيالات والإحباطات، نسير من سَأمٍ إلى سَأم، كأنّ علينا تجميدًا مؤقتًا لا يُفكّ. ولما كان من حكمة التأخر البلاءُ والاختبارُ والتمحيص، ومن طبيعة الإنسان العَجَل — { خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ } — فإن بعض الناس في هذا سيَسبقون أقرانهم بالفرج، بينما ستطول انتظاراتُ آخرين لحكمة الرب أكثر من سواهم.
وفيهم يقول الأستاذ محمود شاكر:
[ وإذا بدأ الإنسان يخفق في آماله، ولا يحقّق من نوازعها المنتظرة والعظيمة شيئًا يسكن إليه أو يهدأ عليه، كان إحساسه بنقصان حياته أو ببطلان وجوده وما يريد عاملًا ثائرًا دائبًا يجعله أبدًا في تعذيب.]
You are not lost , you are just between the chapters
مقامك حيث أقامك
قرأتُ مرةً في إحدى الشذرات الرائقة قولًا قديمًا مُسعفًا ومريحًا بعنوان: مقامُك حيثُ أقامك”؛ جاء فيه أن قديمًا قالوا لا تطلب من الله أن يُخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو شاء لاستعمَلك دون إخراج. أي أن الراحة الحقيقية كلّها في الرضا بمساحتك الحالية من الوجود؛ فلربما كان الخير كلّه فيها، وكان الافتتان والسقوط والضياع كلّه في غيرها الآن.
فكم من أُناسٍ مُعذَّبين وهم يتقلبون الآن في هذه اللحظة التي تقرأ فيها المقال، في ما تمنَّوه يومًا— من زواجًا مرهقًا بعينه أو انتقال إلى مكان، أو وظيفة كانت مأمولة لشهور، يتقلبون في سُميتها حاليًا وسُمية مُتطلباتها الهالكة وشرور مدارئها وزملائها، وغير ذلك. بل كم من مرةٍ رغبتَ أنت في أمرٍ فصُرف عنك؛ فوجدت لذلك غمًّا في قلبك وحرجًا في نفسك، حتى إذا انكشف لك وجه الحق فيه علمتَ أن الله سبحانه نظر إليك بعين اللطف من حيث لا تدري، واختار لك من حيث لا تعلم. ونقرأ في هذا الأمر بلاغة الوصف القرآني لهذه المشاهدة النفسية العجيبة [ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بالشر دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا] ولاحظ هنا مفردة - عجولاً -
جرب ولو لمرة أن تكتفي بعلم الله فيك، يقلبك كيفما شاء يؤخر ويقبض عنك أرزاقك كيفما شاء، يقربك ويبعدك من المصائر والأقدار كيفما شاء فهو الرزاق أحكم الحاكمين وارحم الراحمين العالم بخبايا الأمور والمُطلع على خطوط السير كلها. وكان الرسول ﷺ على أي حال انتظار دائماً ما يردد أنا عبد لله ولن يضيعني.
أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟ يُذهل عن يومه في ارتقاب غده، ولا يزال كذلك حتّى ينقضي أجله، ويده صِفرٌ من أي خير!
- محمد الغزالي
ادخل من المراحل المتاحة
كل مرحلةٍ صمّاء تمرّ عليك وتعيشها الآن سواء كانت محفوفة بوحدة دون زواج، أو بمجهدة بلا راحة، أو مُغلفة بفراغ باعث على ألم، أو عطلةٌ طويلة بلا وظيفة، أو مرضٌ سقيم دون عافية، أو أيُّ أحلامٍ لم تكتمل بعد—شئتَ أم أبيت، هي مرحلةٌ تجهيزية أقدارُها الأنسب لروحك في هذه اللحظة من رحلتك، وفي هذا الفصل من روايتك. يرفعك الله بها درجات ويمحص بها خطاياك ويُشكِّل بها—دون أن تعي الآن—مكانك في الجنة وملامح هويتك وقدراتك بطريقة لائقة تجهزك لمستقبل قد لا تراه الآن.
وقد أعطى الإمام البوطي نصيحة هامة في هذا المعنى في شرحه لإحدى حكم ابن عطاء الله: «إرادتك التجريد مع إقامةِ الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد، انحطاط عن الهمّة العلية»
والمقصود منها أن تتعامل مع المرحلة المتحققة حاليًا في حياتك وإرادة الله لك فيها؛ مهما كانت طبيعتها دون تمني مرهق ومؤلم لغيرها، وأن تُشغل نفسك بما يمكن أن تستغله فيها حتى تصل إلى إرادة الله لك فيها. وأن لا تنازع بالسخط الأقدار التي لم يأذن الله عز وجل أن تنال نصيبك منها الآن. فإذا فتح الله لك في أبواب الفراغ والعزوبية وغيرها على سبيل المثال من الانتظارات والمراحل الانتقالية شيئًا هذه الأيام، فذلك لأنه يريد منك شيئًا من خلاله، واذا اغلق عليك الفراغ بإزحامك بالمسؤوليات والضغوطات فإنه حتمًا يريد شيئًا بإرادته المختارة لك من إزحامك هذا. والموفق من يتحسس إرادة الله فيه ويدخل إليه من الابواب المتاحة له الآن ويتنازل بالصبر عن كآبته ويحسن استغلال فتراته.
“قد يرمينا الله في بحور هائجة لكنه لن يغرقنا.”
إن رَضيتم رُوضيتم وأمر اللّه نافذ ، وإن سخطتم بُليتم وأمر اللّه نافذ .
- عمر بن الخطاب.
لا تجعل انتظار وصول الوجهة يلهيك عن جمال الأشجار في الطريق
لا تُجمِّد حياتك بالانتظارات خلف الأبواب التي لم تُفتح لك بعد. حاول بالمجاهدة أن تستمتع بالمتاح، وأن تنساب بالحركة في المساحات المفتوحة أمامك الآن. يقول أحدهم بعد انتظارٍ مؤسفٍ طويل وهو يحكي عن نفسه أوقات الترقب: كم تمنّيتُ مرور الأيام ونسيتُ أنها من عمري. وقد يضيع الإنسان جماليات الحياة من حوله إذا علق حياته حتى مجيء ما يأمل ولكن الأوقات يا صديقي لا تعود.
ارض بالمقسوم والموجود من أيامك، وأعطِ فتراتك التي عليها الدور حقّها من الاستساغة والتذوّق على مهل. وحاول دائمًا أن ترى في الإنسان مجاز قطع البازل الصغيرة؛ كل فترة في حياته مهما كانت مليئة بالانتظار هي قطعة بازل يجب أن تكون حاضرة بتفرّدها وغرابة ألوانها. بعض القطع ستكون شاحبة وطويلة أكثر من غيرها، لكنها هي — دون سواها — ما سيمنح جمال تجربتك وشخصيتك في الصورة الكاملة والنهائية بعد حدوث الفرج، براعة الهوية واللون والملمح.
يريد الشيطان، في غياب ما ترجوه، أن يملأ قلبك دائمًا بالنواقص وبما لم يتحقق الآن، بصناعة الأمنيات وتعظيم المفقودات وتيئيسك مما تأمله وعن احتمالية حصولك عليه، وهذا من قبيل الأوهام؛ وما قادك مثل وهم.
َدعِ الأيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ *** وطِبْ نَفسًا إذا ذا حَكَمَ القَضاءُ
حذار من المقارنات
تذكر عالمة النفس الاجتماعي ( Susan fisk ) نوعًا مُرهِقًا من المقارنات في أوقات الانتظارات؛ تقول ذلك الذي نضع فيه أسوأ ما لدينا في مواجهة أفضل ما لدى الآخرين. هذا اللون من النظر حينها وفي هذا التوقيت الحساس من سأم الانتظار يُتعب سلامة القلب، إذ يتسلّل إلى الروح في لحظات التوقّف، فيجعل كل انتظار تمر به كأنه على جمرة.
والحقّ أن هذا التحديق المتواصل فيما لدى الناس وما ينجزونه في أوقات انتظاراتنا بالتحديد، ينهك صبر المرء، ويشدّ على حبال احتماله حتى توشك أن تنقطع. لذلك ذكر نفسك بأن لكل إنسان – وأنت منهم – مساره الخاص، وحكايته التي لا تشبه غيره، وتوقيتًا دقيقًا تتفتح فيه أبوابه وتتساقط ثماره. قد يسبقك غيرك إلى محطات، كما أنك ستسبقهم أنت إلى محطات أخرى وهذه سنن الله في كونه.
ويحضرني هنا قول حاتم الأصم حين تأمّل الآية:
{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }
فقال: «علمتُ أن الأرزاق مقسومة، فما مددتُ بصري يومًا إلى رزق أحد.»
شحِذ فأسك Sharpen your Axe
لو كان لديّ ست ساعات لأقطع شجرة، لقضيتُ الأربع الأولى في شحذ الفأس.
- ابراهام لينكولن
في علم الحركة والتأهيل الرياضي، عندما يُصاب لاعب محترف في عضلته الأساسية والرئيسية التي يلعب بها، وتُبعده هذه الإصابة عن الملاعب سنة أو ثمانية شهور، فإنه — بعقلية الرياضي المحترف Athletic mindset — يستغل مدة هذا الانتظار القاسي في تقوية العضلات المحيطة والثانوية والاحتياطية، حتى إذا عادت العضلة الأساسية إلى الشفاء المتكامل والعودة للملاعب، وجدت حولها عضلات مُطوَّرة وجسمًا أقوى.
وكذلك أنت؛ عندما تُصاب بالحرمان في اتجاه معيّن، وتُلزمك الحياة ببعض الانتظارات، ابنِ عقلية الاحتراف، واعمل على الجوانب المتاحة. حتى إذا جاءك ما تريد، وجدك مستعدًا له وجاهزًا لاستقباله بأطراف قوية. وينطبق هذا على الزواج، والوظيفة، والفرص الأكاديمية، وكل المراحل الحياتية.
إن الإنسان الضعيف في لحظات الضعف والانتظار يُفزعه المصاب ويشتٌت أفكاره وينكُص أمام التخيلات التي تنعقد سحائبها من نفسه ، وهنا لا بد له من أن يختصر متاعبه بمواجهة الواقع والإستعداد لقبوله ، وأن لا يسترسل مع الأفكار والخيالات التي تضاعف كآبته ولا تغيٌر شيئًا.
- محمد الغزالي
كلمة ختامية
إن لله فينا أقدار، وإن الله عز وجل بالغ أمره ، والأيام دول وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك، وما كان منها لك أتاك على ضعفك، فإنك لست بسابق أجلك ولا مرزوق ما ليس لك الآن، وانتظار الفرج عبادة، نسلم أمرنا لله ونعمل وفق المتاح، وتبارك الله الذي إذا شاء جعل لنا خيرًا من ذلك.








لقد جاء هذا المقال في توقيتٍ دقيق بالنسبة لي، إذ تزامن مع تراكم أمورٍ جعلتني أُكثِر من النظر إلى إنجازات الآخرين بينما أجد نفسي في فراغٍ قاتل. أحاول جاهدًة أن أشغل وقتي بما يتاح أمامي؛ تارةً أرضى وأتماشى مع الواقع، وتارةً أرى الآخرين يتحركون بينما أبقى في مكاني، فيتسلل إليّ شيء من السخط. ومع ذلك، أُذكّر نفسي دائمًا أنني أسير على قدري وطاقتي، وأن الطريق الذي أنا فيه ليس نقصًا بل اختيارٌ من الله لحكمةٍ أعلمها أو لا أعلمها. أثق أن الخير الذي كُتِب لي قادم بإذن الله. خالص الشكر والتقدير لكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العزيز هاشم اسأل الله العظيم ان يفتح لك في كتابه فتحا مباركا انه هو الفتاح العليم وان يفتح لك من خزائن علمه فتحا مباركا حفظك الله ورعاك ونفع بعلمك وادخلك اعالي الجنان
وشكرا على هذه النصائح والخير الكثير ..♥️