كيف تنقذ الاستعارات أصحابها من الحزن والغرق
الزمن يغير حتى تضاريس الجبال
صدمتني يومًا تروما نفسية مؤرقة، وما كانت تروما ولا حاجة ولله.. كانت من قبيل الحوادث الذي يعظمها جهل الانسان وحداثته بالتجربة، فوقعت بسببها على وجهي وتقطعت أوصالي ولم أنتفع بالمسكنات. وتطايرت مني الاجزاء الكثيرة، وانفرط كل عقد فطار كل جزء في بلاد الله الواسعة، وتحولت لكرات دراغون بول متفرقة على الكواكب، واصبح الوجود آنذاك في طعم لساني مُر حنظل كالعلقم غير المستساغ. ولا تساوي دنياكم هذه عندي ثلاثة جنيهات وان شئتم قلتم أربعة ولأنني طيب قلت حسنًا لن نختلف، ولم يتبقى من نفسي في ذلك الوقت ما أعرفه عنها أبدًا، وذات يوم قلت بسم الله يا ولد ورتبت نفسي ولملمتها على حرج مستعجل وعالجتها بالكي وداويتها بالتي هي الداءُ، وصببت عليها بماء الاستحمام ومسحت عليها بالفيكس،
وذهبت حينها لصديق أعرفه ألتمس عنده بالسؤال ومشاركة الأمر القليل من السلوان.. ولو جدت عنده فاكهة خير وبركة، بسم الله نقشرها ونأكل يم يم يم يم، واسأله بعدما احكي له قصتي كاملة مكملة بدون محذوفات عما اذا كان يعتقد بصراحة والصراحة راحة وهي دأب النفوس الحُرة وبدون مجاملات منه وليس لأننا أصحاب، عن اذا كانت ندوب هذة الحادثة التي وقعت على صاحبه قد تختفي أثارها من جذوره الجوانية وتنجلي طياتها الحالكة فيعود كما كان سالمًا في بلاد الله فتى للفتيان ومشرقًا للأنوار، وكم من الوقت اذا كنت من الناجيين من عنائي هذا سأحتاج، وهل يستطاع أصلاً هذا للمشلولين نفسيًا بعد مثل هذه الحوادث الفوق انسانية العودة؟، وهل يغطي الزمن تكاليف الصيانة والرجوع للحياة والجري في المرابع الخضراء، وتفقد أحوال الرعية، واخذ القيلولات الهانئة تحت أشجار القيقب، والزواج ولعب الغميضة مع الأحفاد. آخر القول يا صاحبي، كن صادقًا أرجوك وقل بصراحة ولا تعجز. يلا أنا سامعك
?Do you think ill ever be able to walk Again
فما كان من جوابه إلا أعظم استعارة تشبيهية عن أفعال الزمان مرت بي، لا زلت أتذكرها حتى يومنا هذا وأتأثر بها، وأرى بمخيالها من ذلك الحين أي مأساة..
قال لي: شوف يا ولد، لو أن هنالك جبلًا شاهقًا شامخًا وحيدًا ومتروسًا في الأرض، أصلب وأقوى بطبيعته الحجرية والصخرية من أعتى الرواسي، ولا تستطيع صواريخ التومهاوك اختراقه، فإن هذا الجبل المنظور أمامنا، حتى لو لم يفعل شيئًا أو يحرك ساكنًا، وظل هكذا فقط بدون حراك.. فإن الزمن وحده، شاء أم أبى، سيغير بطبيعة الحال تضاريسه! فما بالك بما قد تحمله فيك الأيام.. وأنت إنسان مسكين محكوم بالحركة والسيرورة، ويدخل عليك الناس وتمر عليك الأيام بأقواتها، مصحوبة برحمات الله. وذاك جبل جبل، وهذا أنت، ولو أنك في عيني جبل ولله، وهذا بالمناسبة بدون مجاملة. فكل ما يشغلك الآن حدَّ الاختناق، مهما كان متعاظمًا، سيصير بعد زمنٍ وجيز، في ليلة ثلاثاء عادية، ذكرى باهتة منزوعة الشعور، لا تكاد تُستحضر. ذلك أن الوقت يغير تضاريس الجبال، أما أنت فما قلبك مثلًا؟ حجر يعني؟ وات إيفر، تطمئن لا تقلق ومبروك عليك.
منذ تلك الاستعارة، وأنا أنظر إلى الوجود والناس والمهن والحِرَف والمهارات من حولي بثنائية الإنسان وأفعال الزمان. فكل إنسان، علم من نفسه أو لم يعلم، إنما هو محصلة ما فعله به الزمان، وما فعله هو بالزمان، وما سيفعله به الزمان، وكيف ينظر لهذا الزمان إبتداءًا وتحت أي مجاز؟
وللإمام الحسن البصري استعارةٌ مثلاً: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك”. ويترسّخ في نفسي بعد جميع تجاربي التي توالت عليها الأيام، أن الشدائد في معركة الأيام بتراء، لا دوام لها: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ﴾. وأن سنة الله في كونه أن الآلام الدنيوية الكامنة في ذات الإنسان تتساقط مع تساقط الأيام، وحتى التي لا تتساقط، يقوّي الزمن عود الإنسان على حملها.
أو كما تقول كوبلر روس: إن الزمان والقبول يعلّماننا أن نكبر حول محاور الهزيمة والفقد، وليس ذلك لشيء إلا للزمان.
وأتذكّر أبيات شوقي التي أخذناها في المدرسة:
اختلافُ الليلِ والنهارِ يُنسي
اذكُرا لي الصِّبا وأيّامَ أُنسي
ولم يقل شوقي وهو يخاطب صاحبيه “تذكّرا لي”، وإنما قال “اذكرا لي”، لأن ثمة احتمالية أن لا ينسى الإنسان وهو في ذلك لا يحتاج تذكير، وهذا مُتخيل ولكن حسابيًا، تعاقب الليل والنهار كفيل بأن يُنسيه من المشاق ووعثاء السفر والغربة مادام الزمان يمشي .
لازِلت أرى اليوم قصيرًا جدًا على كل الأفكار التي أود أن أفكر فيها, وكل الطرق التي أود أن أمشي فيها، وكل الكتب التي أود أن أقرأها، وكل الأصدقاء الذين أود أن أراهم.
- جون بوروف
المجازات التي تحكم حيواتنا
لازلت أستذكر استعارة صديقي الضمنية عن الزمن وما يفعله بتضاريس الجبال فأقول سبحان الله؛ تشخيصٌ موفق للزمن، مصبوغ بمقدرة تفعيلية فيما قد يفعله للجبال، خلقت في دواخلي مشاهدة تصورية ساعدتني في وقت ما على الصبر . ولجورج لاكوف كتاب عنوانه The Metaphors We Live By – الاستعارات التي نحيا بها، حيث يوضح أن الاستعارات التي نختارها في النظر للأمور ليست مجرد كلمات، بل أدوات تشكّل طريقة تفاعلنا. فالبعض يرى الحب رحلة لها محطات وعقبات، ولذلك نقول “الزواج رحلة عمر”، والبعض الآخر يعتبر مفاهيم مثل الوقت في ضوء المال، ولذا يقول بعض الناس “أضعت وقتي”، “استثمرت وقتي بحكمة”، “الوقت غالي”. والكثيرون ينظرون للجدال، مثلاً، في ضوء المشاحنة وقصف الجبهات والقتال، لذلك نستخدم عبارات مثل : “دافع عن موقفك”، “هاجمت وجهة نظري”، وغيرها من التشبيهات التي تجعل الإنسان محكومًا بتصوراته عن الأشياء والتي سيتصرف بالطبع وفق منظورها. ولما كان الأمر كذلك فأحرى على الانسان ان يراجع أولاً بأول تصوراته.
جميع المهارات الدنيوية محصلة زمان عادي مادام أن الانسان يتحرك
ولعل من أدق الاستعارات البارعة التي قرأتها يومًا عن الزمن بالتحديد وما يفعله بالشطارة والمهارة، مقالة تحليلية فككت مهارة كريستيانو رونالدو بعنوان عريض “رونالدو سنوات وشهور وساعات”، عبارة شعرت معها بتماس مؤثر، لأنه قد يتدرب الإنسان على مهارة ما في ليلة ثلاثاء عابرة وعادية، مهارة لا يلتفت لها أحد ولا تبدو لصاحبها حينها ذات شأن، ثم بعد أسابيع، وفي منتصف شهر ما، وفي لحظة يراها الجميع، ستثمر هدفًا وقد يتقاضى عليها صاحبها أجرًا. وقس على ذلك جميع مكتسبات الدنيا والمعارف المنطوقة والوظائف؛ هي ثمرات للحظات شقو وممارسات في يوم ما. وللأمام الجوزي في رسالته لأبنه وصية: “إن الأيام تُبسط ساعات، والساعات تُبسط أنفاسًا، وكل نَفَس خزانة. فاحذر أن يذهب نَفَسٌ بغير شيء، فتجد في القيامة خزانة فارغة، فَتندم!”، و في الحديث الذي أحبه وأخافه: لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة، حتى يُسأل عن عمره، فيمَ أفناه؟ وعن علمه، فيمَ عمل فيه؟ وعن ماله، من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسده، فيمَ أبلاه؟
وهل لك من وقتك إلا ما أنفقت فأمضيت، أو من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت.
وللقرآن براعاتٌ أخاذة في قضية تصغير الدنيا وتحجيم الأزمات بالتشبيهات والاستعارات، وهذا من عظيم بلاغته وإعجازه؛ ولو كان لكلام الله هذا فقط لكفى من استعاراتٍ يقرؤها المؤمن يومياً كتذكيرٍ له. يصف القرآن الدنيا مثلاً بأنها «متاع الغرور»، والمتاع هو كل ما يُنتفع به ثم يزول، فيشبهها بالأدوات التي يستخدمها المسافر في رحلته، ويشبهها في موضعٍ بـ «عَرَضٍ» زائل؛ والعَرَضُ هو الشيء الذي يظهر ثم يغيب بسرعة، مثل السحابة العابرة أو الظل. وبالتبعية، يدخل ضمن هذا التشبيه كل ما يكون داخل هذه الحياة من آلامٍ ومتعلقات؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ...}. فتخيل معي شخصاً يرتدي نظارة القرآن يومياً في النظر للموجودات ولحقيقة الأشياء وكيف تكون نظرته للأمور وبأي حال حاله ؟؟؟





دائماً بقرأ كل مقال ليك بكل إهتمام لما أجد فيه من متعه أثناء قرأته ومفاهيم دينية جميلة مرات بنكون غافلين عنها
شكراً ليك وربنا يوفقك
المقاله جميلة بكل تفاصيلها كنت اتمنى هي كتاب واستمر بالقراءة